من ماليزيا إلى موريتانيا.. رحلة علم تنتهي بختم القرآن في رحاب محظرة التيسير

“الجهل والأهل ساكنان في بلد، فاصبر عن الأهل أو فاصبر على الثاني”.. حكمة قديمة لخصت معنى الرحلة في طلب العلم، وجسدها عمليًا عدد من طلاب العلم الوافدين من ماليزيا، الذين شدوا الرحال إلى موريتانيا، واختاروا محظرة التيسير، الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات شرق مدينة تكنت بولاية اترارزة، وجهةً لتحقيق حلمهم بحفظ كتاب الله والتزود من علوم الشريعة.

فقد آثر هؤلاء الطلاب مفارقة الأهل والوطن، وتحملوا مشقة السفر والغربة واختلاف البيئة، مؤمنين بأن طريق العلم لا يُعبد إلا بالصبر والمثابرة، حتى أثمرت رحلتهم نجاحًا مشرفًا واختتموا مسيرتهم العلمية في واحدة من أعرق المحاظر الموريتانية.

على مائدة القرآن وعلومه

تتلمذ الطلاب على يد العلامة اللغوي، والمقرئ، والمؤلف، الشيخ محمد سالم ولد أحمدو الخديم (الضابط)، إمام جامع التيسير، الذي يُعد أحد أبرز أعلام المحظرة المعاصرين، واشتهر بعنايته الفائقة بعلوم القرآن واللغة العربية، إلى جانب إسهاماته العلمية والتأليفية التي أفادت طلاب العلم داخل موريتانيا وخارجها.

 

وخلال فترة دراستهم، أتم الطلاب حفظ القرآن الكريم وأتقنوا تجويده، كما نهلوا من علومه، ودرسوا جملةً من المتون المحظرية المعتمدة، في بيئة علمية أصيلة تقوم على التلقي المباشر، والانضباط، والإتقان، وهي السمات التي حافظت عليها محظرة التيسير عبر مسيرتها الطويلة.

حفل وفاء وتكريم

وبمناسبة اختتام مشوارهم الدراسي، أقامت محظرة الشيخ حفلًا تكريميًا وتوديعيًا للطلاب المحتفى بهم، في أجواء غلبت عليها مشاعر الامتنان والفرح بما تحقق من إنجاز علمي، حيث مثّل الحفل محطةً لتتويج سنوات من الجد والاجتهاد، ورسالةً تؤكد استمرار رسالة المحظرة في صناعة العلماء وحملة القرآن.

الشيخ محمد سالم.. امتداد لمدرسة علمية راسخة

ويواصل الشيخ محمد سالم ولد أحمدو الخديم (الضابط) حمل الأمانة العلمية التي أرساها الرواد، جامعًا بين الإمامة والإقراء والتدريس والتأليف، ومكرسًا جهوده لخدمة القرآن الكريم وعلوم العربية، حتى أصبحت حلقاته مقصدًا للراغبين في التحصيل المتين، من داخل البلاد وخارجها، مواصلًا بذلك مسيرة علمية اتسمت بالجدية والإخلاص والتميز.

 

محظرة التيسير.. تاريخ من العطاء العلمي

شكلت محظرة التيسير -على امتداد عقود- منارةً علميةً شامخةً ووجهةً لطلاب العلم من مختلف الأقطار، وأسهمت في تخريج أجيال من العلماء والدعاة وحفاظ القرآن، على يد مؤسسها الشيخ محمد الحسن أحمدو الخديم، حتى غدت اسمًا حاضرًا في الساحة العلمية الإسلامية، واشتهرت بطلابها المنتشرين في الآفاق، وبإنتاجها العلمي الرصين، لتظل نموذجًا حيًا للمحظرة الموريتانية الأصيلة، وحصنًا من حصون العلم الشرعي واللغة العربية، ورسالةً متجددة تؤكد أن موريتانيا ستبقى أرض المحاظر، وموئل العلماء، ومنارةً تشع بالعلم والهداية إلى العالم الإسلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى